ملا محمد مهدي النراقي
103
جامع السعادات
إن هذا العالم وما فيه لا نسبة له إلى عالم الآخرة وما فيه ، وأن ألطافه ومزاياه إلى عباده الذين عرفوا نسبتهم إليه ، وتيقنوا بأن لا شرافة ولا كمال للنفوس والعقول فوق معرفة ربهم والتقرب إليهم والوصول إلى حبه وأنسبه ، فقد وصل إلى أصل كل سعادة ونور وبهجة ، لا سيما إذا دفع عن نفسه ذمائم الأخلاق واتصف بفضائله . وقد ظهر مما ذكر : أنه لا ريب في ثبوت الشوق للعباد إلى الله سبحانه . والعجب ممن أنكر حقيقة الشوق إلى الله سبحانه لإنكاره المحبة له كما يأتي ، إذ لا يتصور الشوق إلا إلى المحبوب ، وقد عرفت ثبوته من حيث النظر والاعتبار . ولا ريب في ثبوته أيضا من الآيات والأخبار : قال الله سبحانه : ( فمن كان يرجو لقاء ربه . . . ) إلى آخر الآية ( 9 ) . فإن الرجاء لا ينفك عن الشوق . وقال رسول الله ( ص ) في دعاءه : ( اللهم إني أسئلك الرضاء بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت . ولذة النظر إلى وجهك الكريم ، وشوقا إلى لقائك ) . وفي بعض الكتب السماوية : ( طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وأنا إلى لقائهم لأشد شوقا ) . وفي أخبار داود ( ع ) : ( إني خلقت قلوب المشتاقين من نوري ، ونعمتها بجلالي ) . وفيها أيضا : ( أنه تعالى أوحى إلى داود : يا داود ! إلى كم تذكر الجنة ولا تسألني الشوق إلي ؟ قال : يا رب ! من المشتاقون إليك ؟ قال : أن المشتاقين إلي الذين صفيتهم من كل كدر ، ونبهتهم بالحذر ، وخرقت من قلوبهم إلي خرقا ينظرون إلي ، وإني لأحمل قلوبهم بيدي فأضعها على سمائي ، ثم أدعو بملائكتي ، فإذا اجتمعوا سجدوني ، فأقول : إني لم أجمعكم لتسجدوني ، ولكن دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلي ، وأباهي بهم إياكم ، فإن قلوبهم لتضئ في سمائي لملائكتي كما تضئ الشمس لأهل الأرض ، يا داود ! إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ، ونعمتها بنور وجهي فاتخذتهم لنفسي محدثين ، وجعلت أبدانهم موضع نظري إلى الأرض ، وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إلي ، يزدادون في كل يوم شوقا ) . وأوحى الله إليه أيضا : ( يا داود ! لو يعلم المدبرون عني كيف
--> ( 9 ) الكهف ، الآية : 111 .